عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

341

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ فيمن تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ] لمّا بيّن صفة من تكتب له الرحمة في الدّنيا والآخرة وهو أن يكون متقيا ويؤتي الزكاة ، ويؤمن بالآيات ، ضمّ إلى ذلك أن يكون متّبعا للنبي « الأمّي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل » واختلفوا في ذلك . فقال بعضهم : المراد باتباعه اعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته ولا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثته . وقيل في قوله : والإنجيل أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل ؛ لأنّ من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل اللّه الإنجيل . وقيل المراد بهم : من لحق من بني إسرائيل أيّام الرسول - عليه الصلاة والسلام - فبيّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلّا إذا اتبعوا الرسول الأمّيّ ، وهذا هو الأقرب ، لأن اتباعه قبل بعثته لا يمكن . ووصف هذا النبي بتسع صفات : الأولى : كونه رسولا ، وهو في العرف من أرسله اللّه إلى الخلق لتبليغ التّكاليف . الثانية : كونه نبيّا ، وهو الرفيع القدر عند اللّه تعالى . والثالثة : كونه أميّا . قال الزجاج : وهو الذي على صفة أمة العرب ، كما تقدم في قوله عليه السلام : « إنا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب » . قال المحقّقون : وكونه أميّا بهذا التفسير من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يقرأ عليهم كتاب اللّه تعالى منظوما مرّة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ، ولا تغيير كلماته ، والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها ؛ فلا بد أن يزيد فيها ، وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، وهو - عليه الصلاة والسلام - مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب اللّه من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير ، فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [ الأعلى : 6 ] . الثاني : لو كان يحسن القراءة والخطّ لكان متّهما في القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة كلّما أتى به من غير تعلم ، ولا مطالعة ؛ فكان ذلك من المعجزات وهو المراد من قوله : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت : 48 ] . الثالث : أن تعلّم الخط شيء سهل فإن أقلّ النّاس ذكاء وفطنة يتعلمون الخطّ بأهون سعي فعدم تعلمه يدلّ على نقص عظيم في الهمم ، ثم إنّه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من البشر ، ومع تلك القوة العظيمة والفهم جعله بحيث